السيد محمد حسين فضل الله
59
من وحي القرآن
من صفات النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلّم مع الأعداء المباينين ، فضلا عن المؤمنين المسترشدين ، ثم الوصف بأنّه يتصدّى للأغنياء ويتلهّى عن الفقراء ، لا يشبه أخلاقه الكريمة ، ويؤيّد هذا القول قوله سبحانه في وصفه صلى اللَّه عليه وآله وسلّم : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [ القلم : 4 ] وقوله : وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [ آل عمران : 159 ] ، فالظاهر أن قوله عَبَسَ وَتَوَلَّى المراد به غيره . وقد روي عن الصادق عليه السلام أنها نزلت في رجل من بني أمية كان عند النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلّم ، فجاء ابن أم مكتوم ، فلما رآه تقذّر منه وجمع نفسه وعبس وأعرض بوجهه عنه ، فحكى اللَّه سبحانه ذلك وأنكره عليه . فإن قيل : فلو صح الخبر الأوّل هل يكون العبوس ذنبا أم لا ؟ فالجواب أن العبوس والانبساط مع الأعمى سواء ، إذ لا يشقّ عليه ذلك ، فلا يكون ذنبا ، فيجوز أن يكون عاتب اللَّه سبحانه بذلك نبيه صلى اللَّه عليه وآله وسلّم ليأخذه بأوفر محاسن الأخلاق ، وينبّهه بذلك على عظم حال المؤمن المسترشد ، ويعرّفه أن تأليف المؤمن ليقيم على إيمانه أولى من تأليف المشرك طمعا في إيمانه ، وقال الجبائيّ : في هذا دلالة على أن الفعل يكون معصية في ما بعد ، لمكان النهي ، فأما في الماضي ، فلا يدلّ على أنه كان معصية قبل أن ينهى عنه ، واللَّه سبحانه لم ينهه إلّا في هذا الوقت . وقيل : إن في ما فعله الأعمى نوعا من سوء الأدب ، فحسن تأديبه بالإعراض عنه ، إلا أنه كان يجوز أن يتوهّم أنه أعرض عنه لفقره ، وأقبل عليهم لرياستهم تعظيما لهم ، فعاتبه اللَّه سبحانه على ذلك ، وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال : كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلّم إذا رأى عبد اللَّه بن أم مكتوم قال : مرحبا مرحبا ، لا واللَّه لا يعاتبني اللَّه فيك أبدا ، وكان يصنع به من اللطف حتى كان يكفّ عن النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلّم ممّا يفعل به » « 1 » .
--> ( 1 ) مجمع البيان ، ج : 10 ، ص : 664 .